تأثير البيئة على حياة الإنسان
لعل أهم مايؤثر على
الإنسان في مسيرة حياته هو ذلك الوسط الذي يعيش فيه , ومايسمى بالبيئة والتي تجتمع
فيها مفردات وخصائص كثيرة , ومن خلال الديمومة تدخل في المورثات في نهاية المطاف
كلون العينين , والقدم , وزرقة العين , والطباع , واختلاف العادات , والتقاليد ,
وهذه لم تكن خافية على علماء الاجتماع ,
والسياسة , والاقتصاد , ولكل
دارس يريد أن يضع منهجا علمياً , أو يبحث عن المقومات لذلك الحراك الاجتماعي ,
والسياسي , للمجتمع الذي يعيش في بيئة ما , فتختلف نتائج الدراسة من بيئة لأخرى
لأن المقدمات مختلفة سينتج عنها نتائج مختلفة وستختلف أيضاً الدراسات من فترة
لأخرى لأن البيئة لم تعد هي البيئة التي كانت في الماضي , فدخلتها يد الإنسان ,
وما أنتجه عبر مراحل تطوره من صناعات ومنشآت وأبنية ومواد كيماوية ومشاريع تنموية
في كافة مجالات الحياة ودخلت ضمن عناصر ومكونات بيئية جديدة , فالبيئة التي نعيش
فيها اليوم تختلف عن البيئة التي عاشها أجدادنا وبالتالي يمكن أن نضع أيضاً
تعريفاً وفق المتغيرات فهي مجموعة من المكونات , والعوامل الطبيعية , والخصائص
التي تتميز بها منطقة , أو إقليم , أو قارة تختلف عن غيرها من المناطق بجملة من
الخصائص والسمات , وقد تشترك ببعض من هذه السمات والخصائص مع غيرها من المناطق ,
وتنتظم هذه العلاقة فيما بين العناصر , ويكون كل عنصر من هذه العناصر مؤثرا ,
ومتأثرا في بقية العناصر الأخرى , ولن تتساوى هذه العوامل بل تتفاوت فيما بينها ,
وهذا ما يجعل عامل التغير موجودا في البيئة من هنا يبدأ التنوع والتمايز في
المجتمعات بالإضافة إلى القدرات الفردية للإنسان الذي يعيش فيها , وعندما يكون
الإنسان أحد مفردات البيئة ستختلف معايير التغير البيئي لأن الإنسان يغير في
البيئة التي تعيش فيها أكثر مما تغير فيه لأنه من أكثر الكائنات الحية القادرة على
التغيير في الوسط الذي يعيش فيه , ونلاحظ تغيير البيئة في سلوك الأفراد , فحرارة
الجو لها انعكاس على سلوكية الفرد , وأيضاً المكان البارد , والفرد يعيش بين
الخمائل تتغير صيغة تعامله مع أقرانه من بني الإنسان , وتزداد قريحته الشعرية ,
أما سكان الصحراء فيتعلمون الجلد , والقسوة وشطف العيش , فنرى في شعره تلك السمات
, والألوان المحيطة به ويستعير أيضاً مصطلحاته من البيئة , والصحراء , وتتطبع
أخلاق هؤلاء المجتمعات بتلك السمات , والخصائص التي تميزه عن سواها من المجتمعات
الأخرى , وعلى الرغم من إدراكنا بأن الإنسان في المجتمع يتأثر بالبيئة التي يعيش
فيها , وربما نجد الفروق بين الأفراد الذين يسكنون في أرض واحدة , ويتباينون في
الطباع , والغايات والوسائل , والأهداف , واختلافهم في سلوك الرضاعة , والحاجات
الأساسية للحياة , وعند استكمال العقل , ونموه يبدأ الإنسان النطق , والكلام ,
ويظل عامل الاكتساب لبعض المهن سمة من سمات التغير الاجتماعي وبذلك استطاع الإنسان
أن يغير في خصائص الطبيعة , ومظاهرها , فالطرقات وشق الأترعة والأودية , والأنهار
, والآبار والواحات الخضراء في الصحراء كل ذلك جعلت أنماطا جديدة للبيئة بدأ
الإنسان بتكييفها وفق احتياجاته , وقدراته .
لم تقتصر هذه العوامل
بالتأثير على الإنسان في الجوانب النفسية , أو الجسمية فحسب بل تتعدى ذلك في صيغ
القيم , والأعراف ,والقوانين , ويظهر ذلك في مسائل كثيرة , فقد تطرق إليها ابن
خلدون ( بأن الإنسان الذي يعيش في المناطق الشديدة الحرارة وشدة الضوء فيكون
بناؤهم من الطين والقصب وأقواتهم من الذرة والعشب وملابسهم من أوراق الشجر أو
الجلود وأكثرهم عرايا من اللباس وفواكه بلادهم غريبة عن التكوين وأخلاقهم قريبة من
أخلاق الحيوانات وأنهم متوحشون ويبتعدون عن الإنسانية بمقدار ذلك وأحوالهم في
الديانة أيضا فلا يعرفون نبوة ولا يدينون بشريعة إلا من قرب منهم من جوانب
الاعتدال ) وكذلك نلاحظ ما للبيئة من أثر واضح في التشريعات والاجتهادات الدينينة
في هذا المجال , فالإمام الشافعي جعل سن البلوغ عند البنين والبنات في سن باكرة في
التاسعة كان يصدر ذلك عن علم بطباع البلاد , واختلاف أحوال المناخ , ولا شك في أنه
كان يعرف أن الفتاة في مصر , والحجاز تدرك مدرك النساء قبل الفتاة في بلاد الشام ,
أو بلاد فارس , أما الإمام أحمد بن حنبل فقد مد سن البلوغ عند الصبيان , وهذا
مرتبط باتمام علومهم , وإتمام البلوغ عند البنات عند الزواج , فلم يكن هناك تناقض
بينهما , ولكن البيئة المؤثرة في سن البلوغ هي التي جعلت هذه الاجتهادات ونكتشف
أيضا أن الباحثين العرب الذين نعتزبهم قدموا عصارة أفكارهم فمنهم ابن خلدون الذي
يقول في مقدمته المشهورة ( المناخ الحار هو سبب الجمود في العادات , والتقاليد ,
والقوانين , وسكان المناطق الحارة ضعاف الأجسام , وكسالى ) .

إرسال تعليق